Sunday, 22 January 2012

شرح حديث : اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك


شرح حديث

)اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك(

الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسولِ الله، وأشهدُ أن لا إله إلاَّ الله وحْده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه.

وبعد:

فقد روى الإمام التِّرمذي في سنَنه من حديث ابن عمر - رضِي الله عنهُما - قال: قلَّما كان رسولُ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - يقوم من مجلسٍ حتَّى يدعو بهؤلاء الدَّعوات لأصحابه: اللهُمَّ اقسِم لنا من خشْيتك ما يَحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتِك ما تبلِّغُنا به جنَّتك، ومن اليقين ما تهوِّن به عليْنا مصيبات الدّنيا، ومتِّعْنا بأسماعنا وأبصارنا وقوَّتنا ما أحييْتَنا، واجعله الوارِث منَّا، واجعل ثأْرَنا على مَن ظلَمنا، وانصُرْنا على مَن عادانا، ولا تجعل مُصيبتَنا في دينِنا، ولا تجعلِ الدُّنيا أكبرَ همِّنا ولا مبْلغ عِلْمِنا، ولا تسلِّطْ عليْنا مَن لا يرحمُنا(([1].

قوله: ((اقْسِم لنا من خشْيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك)) اقسِم: بمعنى قدِّر، والخشية: هي الخوف المقْرون بالعلم، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ [فاطر: 28]، والإنسان كلَّما خشِي الله - عزَّ وجلَّ - منعتْه خشْيتُه من الله أن ينتهك مَحارم الله؛ ولهذا قال: ((ما يحول بيْننا وبين معاصيك((

قوله: ((ومِن طاعتك ما تبلِّغنا به جنَّتك)) يعني: واقسِم لنا من طاعتك ما تبلِّغُنا به جنَّتك، فإنَّ الجنَّة طريقُها طاعة الله - عزَّ وجلَّ - فإذا وُفِّق العبد بخشية الله واجتِناب محارمه والقيام بطاعتِه، نَجا من النَّار ودخل الجنَّة بطاعتِه.

قوله: ((ومِن اليقين ما تهوِّن به عليْنا مصيبات الدُّنيا)) اليقين: هو أعلى درجات الإيمان؛ لأنَّه إيمان لا شكَّ معه ولا تردُّد، تتيقَّن ما غاب عنك كما تُشاهد مَن حضر بين يديْك، قال ابنُ مسعود: اليقين هو الإيمان كلّه، فإذا كان عند الإنسان يقينٌ تامّ بما أخبر الله تعالى من أمور الغيب فيما يتعلق بالله - عزَّ وجلَّ - أو بأسمائه أو صفاته أو اليوم الآخر وغير ذلك، وصار ما أخبر الله به من الغيب عنده بمنزلة المشاهد، فهذا هو كمال اليقين، والدنيا فيها مصائب كثيرة، لكن هذه المصائب إذا كان عند الإنسان يقينٌ تامّ أنَّه يكفَّر بها من سيئاته، ويُرفع بها من درجاته - إذا صبر واحتسب الأجْرَ من الله - هانتْ عليْه المصائبُ، وسهلتْ عليْه المِحَن، مهْما عظمتْ، سواء كانت في بدَنِه، أو في أهْلِه، أو في ماله، روى مسلمٌ في صحيحه من حديث أبِي هُرَيْرة - رضِي الله عنْه - قال: لمَّا نزلت: ﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ [النساء: 123] بلغتْ من المسلمين مبلغًا شديدًا، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((قاربوا وسدِّدوا، ففي كلّ ما يصاب به المسلم كفَّارة، حتَّى النَّكبة يُنْكَبُها أو الشَّوكة يُشَاكُها(([2].

قوله: ((متِّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوَّتنا ما أحييْتنا))؛ أي: اجعلْنا متمتِّعين ومنتفعين بأسْماعِنا وأبصارِنا وقوَّتنا، أي: بأن نستعملها في طاعتِك.

قال ابن الملك: التمتُّع بالسَّمع والبصَر إبْقاؤُهُما صحيحَين إلى الموت، وإنَّما خصَّ السَّمع والبصر بالتَّمتيع من الحواسّ؛ لأنَّ الدَّلائل الموصّلة إلى معرفة الله وتوْحيده إنَّما تحصل من طريقها؛ لأنَّ البراهين إنَّما تكون مأخوذة من الآيات القُرآنيَّة، وذلك بطريق السَّمع، أو من الآيات الكونيَّة في الآفاق والأنفُس بطريق البصَر، والإنسان إذا تمتَّع بهذه الحواسّ حصل على خيرٍ كثيرٍ، وإذا افتقدها فاته خيرٌ كثير، قال تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ ﴾ [الملك:23]

كان بعض العلماء قد جاوز المائة سنة وهو متمتِّع بقوَّته وعقله، فوثب يومًا وثبةً شديدة، فعوتب في ذلك، فقال: هذه جوارحُ حفِظْناها عن المعاصي في الصِّغَر، فحفِظها الله عليْنا في الكبر[3].

قوله: ((واجعله الوارث منَّا)) واجعله: أي المذْكور من الأسماع والأبصار والقوَّة، (الوارث)؛ أي: الباقي؛ بأن يبقى إلى الموْت.

قوله: ((واجعلْ ثأْرَنا على مَن ظلَمنا))؛ أي: اجعلنا نستأثِر وتكون لنا الأثرة على مَن ظلَمَنا، بحيث تقتصّ لنا منْه، إمَّا بأشياء تُصيبه في الدُّنيا أو في الآخرة، قال تعالى: ﴿ لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ﴾[النساء:148]، وفي الصَّحيحَين من حديث معاذ بن جبل - رضِي الله عنْه - أنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - قال: ((واتَّق دعوة المظلوم، فإنَّه ليس بينها وبين الله حجاب(([4].

قوله: ((وانصرنا على مَن عادانا)) من الأعداء، وهم كثرٌ؛ من اليهود والنَّصارى والمشْركين والمنافقين وغيرهم، ومن أكبر أعدائِنا وأشدِّهم ضررًا عليْنا الشَّيطان، الَّذي حذَّرنا الله منْه فقال: ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ [فاطر:6]، وقال تعالى عن الكفَّار: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ﴾ [الممتحنة:1]، وقال تعالى عن المنافقين: ﴿ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ [المنافقون:4].

والله - تعالى - ناصرُنا عليهم جميعًا، قال تعالى: ﴿ بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ﴾ [آل عمران:150].

قوله: ((ولا تجعل مصيبتنا في ديننا))، المصائب تكون في مال الإنسان أو بدَنه أو مسْكنِه أو أهله، فيمْرضون أو يموتون أو غير ذلك، وأعظم مصيبةٍ هي مصيبة الدِّين، وهي على قسمين: إمَّا أن يُبْتَلى بالمعاصي كأكْل الحرام واعتِقاد السوء، أو يُبْتَلى بما هو أعظم من ذلك كالشِّرْك والكُفْر والنِّفاق وما أشبه، فهذه مهْلكة مثل الموت للبدَن.

قوله: ((ولا تجعل الدُّنيا أكبر همِّنا ولا مبلغ علمنا))؛ أي: لا تجعل طلَب المال والجاه أكبرَ قصْدِنا وهمّنا، بل اجعل أكبر قصدنا مصروفًا في عمَل الآخِرة.

((ولا مبلغ علمنا))؛ أي: لا تجعلْنا حيث لا نعلم ولا نتفكَّر إلاَّ في أمور الدّنيا، بل اجعلنا متفكِّرين في أحوال الآخرة، والمبْلَغ؛ أي: الغاية الَّتي يبلغها الماشي والمحاسب فيقِف عنده.

روى التِّرمذي في سننه من حديث أنس - رضِي الله عنْه - أنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - قال: ((مَن كانت الآخرة همَّه، جعل الله غناه في قلبه، وجَمَع له شَمْلَه، وأتتْه الدُّنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همَّه، جعل الله فقْرَه بين عينيْه، وفرَّق عليه شَمْلَه، ولم يأتِه من الدُّنيا إلاَّ ما قدِّر له(([5].

قوله: ((ولا تسلِّط عليْنا مَن لا يرحَمُنا))؛ أي: لا تجعلْنا مغلوبين للكفَّار والظَّلمة، أو لا تجعل الظَّالمين علينا حاكمين؛ فإنَّ الظالم لا يرحم الرَّعيَّة[6] [7].

والحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمَّد، وعلى آله وصحْبِه أجْمَعين.


[1] (ص 551 برقم 3502)، قال الترمذي: هذا حديثٌ حسن غريب، وحسَّنه الشيخ الألباني - رحِمه الله - في صحيح سنن الترمذي (3 /168) برقم 2783.

[2] ص 1039 برقم 2574.

[3] جامع العلوم والحكم، ص: 225.

[4] جزء من حديث ص 821 ، برقم 4347، وصحيح مسلم ص 42، برقم 19، واللَّفظ لمسلم.

[5] ص 403 برقم 2465.

[6] تحفة الأحوذي (9 /442) برقم 3502.

[7] انظر شرح رياض الصالحين للشيخ ابن عثيمين - رحمه الله - (4 /361 - 366).

منقـــول

الآلوكة

كتبه الدكتور/ أمين بن عبد الله الشقاوي

Monday, 16 January 2012

إلى أهلنا في سوريا .


إلى أهلنا في سوريا


إلى أهلنا في سوريا

24 محرم 1433

ها هو صلَّى الله عليه وسلَّم -وفداه أبي وأمي- يقولُ في شأن هذه الحقيقة : «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» (أخرجه مسلم في صحيحه: 4/1999/ ح 2586). وإنني أمام هولِ ما يجري في أرض الشام المباركةِ من مجازرَ مروعةٍ ومشاهدَ مفجعةٍ، لأتمثَّلُ قول الشاعرِ الألمعيِّ: أبي البقاء صالح بن شريف الرندي المتوفى سنة 798هـ حينَ يرثي الأندلس مع بعضِ التغييرِ، معارضاً له معارضةً شعريةً فأقولُ:

أعندكم نبأٌ منْ أهـلِ سوريا *** فقد سرى بحديث القوم ركبانُ
ألا نـفـوسٌ أبـيَّـات لها هممٌ *** أما على الخيرِ أنصارٌ وأعوانُ
فلو رأيتَ بُكاهُمْ عندَ ذَبحهمُ *** لهالكَ الوجدُ واستهوتك أحزانُ
لمثلِ هذا يذوبُ القلبُ منْ كمدِ *** إنْ كانَ في القلبِ إسلامٌ وإيمانُ



ورغمَ تلك الدماءِ التي تسيلُ أنهارًا، ورغمَ تلك الدموعِ التي تنهمرُ مدرارًا، إلا أنَّ طلائعَ النَّصرِ -بإذنِ اللهِ- تبدو لائحةً في الأفقِ، وبشائرَ الفرجِ تبرزُ ماثلةً للعيان، إذْ مهما اشتدَّ ظلامُ الظلمِ والطغيانِ وأحلو لكَ ليلهُ، فإنَّ فجرَ العدلِ والرحمةِ لا بُدَّ قادمٌ، وشمسُ الحقِّ حتمًا ستشرقُ في سماءِ العالمِ، تلك سنةُ اللهِ الماضيةُ رغمَ كيدِ الكائدينَ ومكرِ الفاجرينَ منذُ غابرِ الدَّهرِ وإلى أنْ يرثَ اللهُ الأرضَ ومن عليها. كما جاءَ في كلماتِ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ النَّافعاتِ لابنِ عبَّاسٍ -رضيَ اللهُ عنهما-: «
وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» (إسناده صحيحٌ.أخرجه أحمد في مسنده: 5/ 18/ ح 2803) حققه الألباني/ صحيح الجامع /برقم 6806 /صحيح) .

منقــول

طــريق الإسـلام

Friday, 13 January 2012

حنين وتذكرة

حنين وتذكرة

بكبار علماء الزهد والتواضع في الجزيرة

بقلم: خباب مروان الحمد*

عشت في بلاد الحرمين مدَّة طويلة، شهدت فيها العديد من المواقف والأحداث.... لعل الله تعالى يُيسِّر لي تدوين شيء منها، ففيها من المواقف والطرائف، والعجائب والغرائب، والنوازل والحوادث، والأفراح والأتراح الشيء الكثير...

مِمَّا رأيته هنالك عند بعض أهل العلم الكبار - وكنت أحب القراءة عليهم أكثر من غيرهم - حالة غريبة من الزهد والتواضع وكراهة الشهرة، والبعد عن الأضواء.

ولعلي أذكر في هذه المقالة المُتواضعة طرف يسير، وبداية خيط في الحديث عن سيرتهم، لعلَّ الله تعالى يفتح علي لأكتب عنهم ما أعرفه، فلقد شرَّفني الله تعالى بالجلوس معهم والقراءة عليهم، وكثير منهم قارب أو جاوز 70 عاماً وقت قراءتي عليهم، ولربما جاوز بعضهم الآن التسعين عاماً، منهم من توفاه الله تعالى فرحمة الله عليه ورضي عنه، ومنهم من بقي على قيد الحياة سائلاً المولى عزَّ وجل أن يحفظهم ويبارك فيهم، ومن هؤلاء العلماء الأجلاء الزهاد.

(1)

شيخنا العلامة الرَّباني: حمود بن عقلاء الشعيبي - رحمه الله رحمة واسعة - ، وقد كتبت عنه بعد وفاته مقالة بعنوان: (الصفات العمليَّة لشيخ الجزيرة العربية حمود بن عقلاء الشعيبي)، أتذكر أنَّها نُشرت في بعض المنتديات والمواقع، إلا أنني بحثت عنها ولم أجدها وضاعت مني ويا للحسرة!!

وقد ضمَّنتها عدداً من مواقفي الشخصيَّة معه، وحديث عن مدى زهد الرجل مع أنَّه من أهل الثراء والغنى، وكرمه وجوده، وحبه لبلادي (فلسطين) حتَّى أنَّه أفردني - جزاه الله خيراً - بدروس لم يفردها لغيري مِمَّن هم أكبر مني سناً وأعلى قدراً من طلبة العلم الأجلاء في السعودية، وكان ذلك بسبب محبته لفلسطين، كما كان يُسرُّ إليَّ!

لقد رأيت منه عجباً عجاباً في تواضعه، فدروسه التي كانت تُعقد في مزرعته الواسعة، تكون في (خيمة الشعر) وقد ترى في أطرافها خيوط العنكبوت، وتراه لابساً لباساً نظيفاً إلاَّ أنَّه لا يأبه بأن يكون الثوب أو غطاء الرأس - الغُترة - مكوياً.

لقد رأيت في شيخنا حمود العقلاء رحمه الله مظهراً جليلاً من مظاهر التواضع، وعدم تقليله من شأن طلبته، ولو كانوا صغاراً، بل ربَّما سألهم لاستزادة معلوماته.

وأذكر في هذا الصدد أنَّ الشيخ حمود – رحمة الله عليه - سئل عن جماعة (الأحباش)، فقال: معلوماتي عنهم ضئيلة، ثمَّ سأل أحد طلبته الذين يصغرونه بخمسين عاماً على الأقلّ، وقال له حدِّثنا عنهم فلقد سمعت أنَّك معتن بأخبارهم، فخجل ذلك الشاب وذكر طرفاً يسيراً مِمَّا يعرفه احتراماً لقدر شيخه وجلالته.

ومن مظاهر تواضعه العجيب الذي انبهرت منه، أنَّني كنت أقرأ عليه في مزرعته كتاب: (تجريد التوحيد المفيد) للإمام المقريزي رحمه الله، وكنا بصيف شديد الحرارة جداً، حتَّى أنني وقت قراءتي عليه كنت آخذ معي مروحة من قش أُرَوِّحُ بها عنه؛ لكي يتحرك الهواء من شدَّة الحر، وحينما كنت أقرأ عليه - وكان ضريراً - قام من مجلسه وذهب ما يقارب أربعة أمتار فقلت له:

شيخنا ... أحسن الله إليك ... هل من خدمة أقدمها إليك؟

فقال لي باللهجة النجدية: (خلِّك جالس)

ثم قام فشرب ماء وأتى لي بكأس ماء بارد وقال لي اشرب فالجو حار..... قام الرجل وهو أعمى وشرب ماء ولم يطلب مني أن آتي له بالماء ثمَّ أتي لي بكأس ماء فما أجمله وأجمل تواضعه .... قدَّس الله روحه ونوَّر ضريحه وصبَّ عليه من شآبيب برِّه....

(2)

شيخنا الزاهد العالم بالله المُعَمَّر بقيةُ السلفِ الصالح في تعبده وتنسُكه الشيخ محمد بن سليمان العليط، حفظه الله وبارك في علمه وعمره....

كنت أقرأ عليه كتاب الزهد لأبي حاتم فهالني منه بكاؤه الشديد حينما كانت تمر بنا الآيات والأحاديث عن النار، وسرور وجهه وحبور نفسه عندما نمر على الآيات التي تتحدث عن الجنة ونعيمها، لقد فعل بكاؤه بنفسي شيئاً عجيباً، حتَّى أنني كنت أهمُّ بالتوقف عن القراءة رفقاً به.

حدُّثني بعض طُلابه عن صلاته، فقلت في نفسي: سأرى الموقف أمامي، فما راءٍ كمن سمعا!

فأتيت مرَّة قبل صلاة الظهر بساعتين، حتَّى دخل المسجد بعد نصف ساعة أو أكثر قليلاًُ وقام يصلي ويصلي طويلاً إلى قبيل وقت النهي قبل صلاة الظهر، ما بين قيام طويل وسجود طويل.

ومِمَّا علمته عن الشيخ حفظه الله أنَّه كثير الدعاء لطلابه، فطلبت منه الدعاء لي، فجعل جزاه الله خيراً يدعو الله تعالى لي دعاء ما أجمله وأروعه!

ومن عجيب جلدِه في مجال نشر العلم والتعليم أنه جلس للتدريس في مسجده (مسجد المطوع) شرق سوق الخضار في بريدة بمدينة القصيم، وكان يجلس على هذه الحالة منذ خمسين عاماً (!!) ويخص بهذا الجلوس طلبة العلم، وكانت جلساته على ثلاثة أوقات: فالجلسة الأولى من طلوع الشمس والجلسة الثانية بعد الظهر والثالثة بعد العشاء.

(3)

شيخنا الزاهد العابد عبد الله بن محمد بن عبد الله الحسين أبا الخيل، وهو ووالده وجده من أهل العلم والمنزلة.

هو الشيخ وابن الشيخ والشيخ جدُّه.....!!

قرأت عليه بعض كتب العقيدة للإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، وكنت أرقب صلاته ووقوفه بين يدي ربه وخشوعه وتدبره للآيات، ما يجعلني أتذكر ما كانت أطالعه في كتاب سير أعلام النبلاء للذهبي، من عبادة العلماء وخشيتهم لله.

الشيخ الزاهد عبد الله أبا الخيل بعد أن أتممت عليه قراءة أحد المتون العلمية، عزمني في بيته لتناول طعام العشاء، حيث علِم أننا قد قصدناه من مدينة الرياض - محل إقامتي سابقاً – وأتيناه إلى محل إقامته في مدينة القصيم – تبعد عن الرياض (400) كيلاً - ، فأكرمنا جزاه الله خيرا.

لقد استغربت من ذلك البيت الذي يعيش فيه الشيخ هو وأولاده، بل من تلك الحارة التي ندخل إليها في زقاق ضيقة - ذكرتني بمخيماتنا في فلسطين - وتعجبت من مدى البساطة الغريبة لرجل عالم عنده من المال الشيء الوفير، إلاَّ أنه زهد بمتاع الدنيا الرخيص الزائل.

كان دائم الصمت أمامنا وحينما نسأله يجيب.

وفي آخر مجلسه حدثنا عن آداب طالب العلم وضرورة إتباع العلم بالعمل، فجزاه الله خيراً وبارك فيه وجزاه عنا خير الجزاء...

(4)

شيخنا الفقيه النحوي الفرضي ناصر الطريري حفظه الله تعالى، وهو والد الشيخ د. عبد الوهاب الطريري.

الشيخ ناصر حجَّة إمام في الفقه الحنبلي، وعلامة بارع في الفرائض والنحو، ولقد كنت أرى القضاة الكبار يأتونه يسألونه عن مسائل أشكلت عليهم في الميراث.....

من المواقف الجميلة معه أني كنت أقرأ عليه زاد المستقنع في الفقه الحنبلي، وكان يشرح لي المتن كاملاً ويذكر أدلَّة المذهب الحنبلي وتعليلهم، وحينما أسأله عن الراجح لديه؛ كان يقول لي : أنت الآن في المسجد لدراسة فقه الحنابلة، وحينما نخرج من المسجد اسألني عن الراجح لدي.... ولم يكن الشيخ - حفظه الله - متعصباً للفقه الحنبلي، فلربَّما خالفهم إن سألته خارج المسجد لأخذ رأيه في بعض المسائل الفقهيَّة...

كان يسمح لي ولغيري من طلبة العلم بمناقشته في بعض اختيارات الحنابلة، ولربما كان لهم قول مرجوح، وقد يكون هو من اختيارات شيخنا ناصر الطريري – حفظه الله – ولربَّما طال النقاش في ذلك، ولم أشهد منه انزعاجاً أبداً من نقاشنا، بل كان يتيح لنا الفرصة لذلك، ويقول لا أريد أن يكون الدرس مجرَّد شرج لكم فحسب، فإن لم تفهموا شيئاً أو إن كان عندكم نقاش في مسألة فقهية فلنتناقش عنها، ولربما اقتنع الشيخ أحياناً برأي أحد طلابه أثناء النقاش!

كنت أحبُّ درسه جداً حيث كان يتيح لنا أربع أيام في الأسبوع لقراءة كتاب زاد المستقنع عليه بعد صلاة العصر، ولم أتغيَّب عن درسه ولله الحمد إلاَّ مرَّة واحدة، وحينما سألني عن سبب غيابي - وقد كنت معذوراً فيه - أعاد علي شرح ما فاتني في ذلك الدرس مرَّة أخرى، وقد كان بإمكانه أن يحيلني لرفيقي في الطلب الذي كنت أذهب وإياه للقراءة عليه، إلاَّ أنَّه جزاه الله عني خيراً، لم يكل ولم يملَّ بل أعاد علي شرح الدرس السابق كاملاً.

وحينما أتممت قراءة كتاب زاد المستقنع عليه، وطلبت منه قراءة الروض المربع في شرح زاد المستقنع، ذكر لي أنَّه يشرحه لأحد طلابه وقت العصر، فبيَّنت له أنَّ وقتي لا يسمح لي بالمجيء إليه عصراً بسبب الدوام الطويل الذي يأخذ من وقتي الكثير، فكان يسمح لي أن آتيه في بيته ومنزله بعد صلاة الفجر، وحينما كنت أتأخر عليه لدقائق -غفر الله لي!- كنت أراه خارجاً من بيته ينتظرني ويقول لي: عساك بخير ... تأخرت ... عسى ما هو شر.... كان يخجلني من فرط أدبه وتواضعه جزاه الله خيرا وما أنا إلا بمنزلة أحفاده أمام قامته وعلمه ونبله جزاه الله خيرا وبارك لنا فيه ... آمين.

(5)

شيخنا العلامة الفقيه عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين رحمة الله عليه رحمة واسعة وقد أكرمني ربي بملازمة كثير من دروسه بما يقارب ست سنوات ولله الحمد.

لقد وجدت فيه آيات من الزهد والانخلاع عن الدنيا وبهرجها، كان يبذل وقته ونفسه لنشر العلم، وكان من أهل العمل والدعوة... وحينما توفي - رحمة الله عليه - ألقيت محاضرة في فلسطين كانت بعنوان: (من فلسطين أتحدث لكم عن ابن جبرين!)، ذكرت فيها عدداً من أخلاق ومزايا وقوَّة علم الشيخ العلاَّمة ابن جبرين – رحمه الله -

ما كنت أراه إلاً وهو حاملاً لكتاب، أو شارحا لكتاب، أو قائماً يصلي لرب الأرباب.

كانت دروسه تتجاوز (45) درساً في الأسبوع لطلابه.

وكنت أراه يطرب بسماع نونيَّة ابن القيم رحمه الله حينما كان يقرؤها عليه الشيخ سليمان الشويهي بصوته النجدي الشذي الجميل.

وكان كثير الاهتمام بقضايا المسلمين، يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم، ويصدر البيانات تلو البيانات عمَّا كان يجري في بلاد المسلمين(فلسطين والعراق والشيشان وأفغانستان والبوسنة وغيرها كثير)، وكان شيخنا ابن جبرين - رحمه الله - إن استشهد أحد الشباب مِمَّن نفروا للجهاد في الشيشان أو العراق ، نراه أول الناس مجيئاً لزيارة أهلهم وتثبيتهم، مُبيِّناً لهم مكانة الشهيد عند الله، وكانت لزيارته أثر طيب في شدَّ أزر أهالي الشهداء.

وكان آية في التواضع لطالما رأيته قبَّل رأس بعض طلبته كما حصل هذا في تقبيله لرأس الشيخ العلامة سفر الحوالي والشيخ الدكتور سلمان العودة، وكان يرفض رحمه الله كذلك أن يقبل رأسه أحد بل كان يضع يده في نحره، وحصل ذلك معي مرَّة فأوجعني فحرَّمت تقبيل رأسه!

من جميل تواضعه رحمة الله عليه أنني كنت أراه يأتي مبكراً قبل حين موعد درسه، في بعض المساجد التي كانت تقوم فيها بعض الدورات العلمية كمسجد الإمام ابن المديني في الرياض، ولربما كان أحد الأشياخ - أحدهم الشيخ عبد المحسن الزامل - لا يزال يشرح لطلابه لأنَّ وقت الشيخ ابن جبرين لم يبدأ بعد، فيقعد الشيخ ابن جبرين كالتلميذ مطأطئ الرأس، حتى ينتهي الشيخ من درسه.

وكان رحمة الله عليه صاحب مواقف قوية تجاه المسؤولين في بلاده وبسبب ذلك أقيل من عضوية الإفتاء.

وكان رجلا داعية فذاً لا أظنه ترك مدينة أو قرية في السعودية (على كبر مساحتها 2 مليون وربع كيلو) إلا وذهب إليه وزاره وألقى فيه درساً.....

رحمة الله على تلك الأرواح وبركاته على هاتيك الأشباح، وسقى الله تلك الأيام !!

رحم الله مشايخنا من أهل العلم والزهد والفضل والتواضع.

بقي أن أقول في نهاية هذه الخاطرة أنَّني تحدَّثت عن هؤلاء الأعلام من نبلاء العلماء في جزيرة الإسلام؛ لأنَّ قليلاً من قليل من قليل في عالمنا الإسلامي من يعرفهم ويعرف مكانتهم العلمية، ومدى زهدهم وتواضعهم.

فالعالِم عند كثير من الناس بعد انتشار الفضائيات هو من يظهر على القنوات الفضائيَّة، أمَّا غيره ولو كان أعلم منه، فهو جاهل مغمور، وما هذه إلاَّ قسمة ضيزى، مائلة عن الطريقة المثلى، في معرفة أقدار العلماء.

ومع تأكيدي على أهمية ظهور أهل العلم على الفضائيات؛ إلاَّ أنّها ليست معياراً لقوَّة علم الرجل ومكانته الفقهية، ولطالما سمعت من بعض الناس بل من بعض طلبة العلم، حينما تُحدثه عن أحد العلماء المعاصرين، فيقول لك: ومن هو ذلك العالِم؟ وهل هو مشهور؟ لأني لم أسمع عنه أنَّه خرج في برنامج أو كان له برنامج...فهو إن ظهر فيها فهو من أهل العلم والرضى، وإن لم يظهر فيها فالرجل ليس بذاك!

فيا سبحان الله ! وعجباً من هذه العقول التي تشترط شهرة الرجل؛ ليكون عالما، مع أنَّني على يقين بأنَّ كثيراً مِمَّن يظهر على قنوات الفضاء، يعلم علم اليقين أنَّ هنالك من أهل العلم من هو أولى وأفضل منه، ولكنَّه معذور بظهوره ليبين للناس دين الله وينصح لهم، ولعلّ لأولئك العلماء الكبار عذرهم الخاص بهم الذي يمنعهم من الخروج في هذه الفضائيات...

إنَّ هذه المقالة جرعة دواء وتذكرة لنا جميعاً – معشر طلبة العلم - بضرورة إتباع العلم بالعمل في زمن البحث عن الشهرة وحب الأضواء والنجوميَّة، والحذر مِمَّا تجرُّه علينا هذه الأمور من ضعف في الإيمان، حيث نحتاج في كل يوم لتجديد إيماننا وزيادة إخلاصنا ومحاسبة أنفسنا، وصلات وعلائق إيمانيَّة بربنا، ومقارنة حالنا بحال أولئك القوم الذي عاشوا في عصرنا ولا زالوا حيث ابتعدوا عن حب الظهور والشهرة ولا زالوا يفرون منها فرارنا من الأسد، مع أنَّهم كانوا حريصين على أحوال أمَّتهم ومعايشة واقعهم.

ولقد تحدَّثت عنهم لأنَّ بعض الناس يظنون أنَّ الزهد هو ما يقوم به كثير من الصوفية من انقطاع تام عن الدنيا، وانشغال بالعبادة عن العلم، وابتعاد عن هموم وأحوال المسلمين، مع شيء من البدع والخرافات التي ما أنزل الله بها من سلطان، وليس هذا الوضع مِمَّا تقره شِرعَةُ الإسلام، فالزهد الحقيقي أن تعيش عصرك وواقعك، وتنقطع عن الناس وقتاً للعبادة والطاعة، يليها شيء من الازدياد العلمي ومواصلة التأصيل؛ لأنَّ عبادة بدون علم فسنجني منها الضلال والانحراف عن منهج الشرع الحنيف.

ولا نبالغ في مشايخنا الأجلاء الذين ذكرتهم فهم بشر يصيبون ويخطئون؛ والكمال لله وحده؛ لكني أعتقد أنَّهم كانوا مثالاً للزهد والورع، والخمول وكراهية الشهرة؛ فوفاء لهم ولفضلهم على طلبة العلم وعلى نفع أمَّتهم، كان من اللازم علينا كتابة شيء من سيرتهم وتدوينها، فبسيرتهم ننتفع، وبذكرهم عن دنايا الدنيا نرتفع.....

كرر علي حديثهم يا حادي *** فحديثهم يشفي الفؤاد الصادي!

ثبَّتنا الله وإيَّاكم على دينه، وتقبَّل منَّا ومنكم أعمالنا، وجعلها خالصة لوجهه، موافقة لسنَّة رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، والله من وراء القصد، وهو حسبنا ونعم الوكيل


منـــقول
طريق السلف