Friday, 13 July 2012

حكــم السجــود علـى الغطــرة والعمامة أو ما يغطـي موضع السجــود من الجبهـــة ؟





سُئــل الشيــخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله عــن
حكــم السجــود علـى الغطــرة والعمامة أو ما يغطـي موضع السجــود من الجبهـــة ؟
فــأجــاب



ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أمرت أن اسجد على سبعة أعظم"وفي لفظ للبخاري:"أمرنا أن نسجد على سبعة أعظم على الجبهة وأشار بيده إلى أنفه والكفين والركبتين وأطراف القدمين"(1) ،والسجود على هذه الأعضاء السبعة ركن لا تصح الصلاة إلا به، ولكن المعلوم أن هذه الأعضاء منها ما يكون مستوراً بكل حال كالركبتين مثلاً فإن المصلي يكون ساتراً لركبتيه ويندر جداً أن يُصلي أحد وركبتاه باديتان، وأما الوجه والكفان فالغالب فيهما أن يُباشر المصلي بهما موضع سجوده، وأما القدمان فأحياناً وأحياناً، أحياناً يصلي الإنسان في جوارب أو في خفين أو في نعلين وحينئذٍ لا تُباشر أطراف القدمين ما يصلي عليه وأحياناً يُصلي حافياً فتباشر أطراف قدميه ما صلى عليه ويبقى الوجه، فالوجه كما هو معلوم يكون ولاسيما بالنسبة للرجال يكون مكشوفاً دائماً أو غالباً ويباشر المصلي جبهته المكان الذي يصلي عليه، ولكن إذا دعت الحاجة إلى أن يضع حائلاً بينه وبين ما يصلي عليه فلا حرج عليه، قال أنس بن مالك رضي الله عنه:"كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم في شدة الحر فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه" (2) فإذا كان المصلي يشق عليه أن تباشر جبهته الأرض إما لشيء في الأرض أو لشيء في جبهته فحينئذٍ لا بأس أن يبسط شيئاً من ثوبه ليسجد عليه أو شيئاً من غترته أو شيئاً من عمامته ليسجد عليه، لكن إذا سجد على شيء من العمامة فلينتبه للأنف لأنه ربما يرتفع عن الأرض إذا حالت العمامة بين الجبهة وما يصلي عليه فلينتبه لأنفه حتى يباشر الموضع الذي كان يصلي عليه.


(1)
صحيح البخاري » كِتَاب الْأَذَانِ » أَبْوَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ» بَاب السُّجُودِ
عَلَى الْأَنْفِ – حديث رقم رقم الحديث: 774
(2)صحيح البخاري » كِتَاب الْجُمُعَةِ » أَبْوَابُ الْعَمَلِفِي الصَّلَاةِ »
بَاب بَسْطِ الثَّوْبِ فِي الصَّلَاةِ لِلسُّجُودِ - رقم الحديث:1139

منــــــــــقول
هــنـا

Sunday, 8 July 2012

الشيخ الوقور وركـــاب القطار

 ورحــمــة الله وبــركــاته


الشيخ الوقور وركـــاب القطار


ما هل سمعتم بقصّة الشيخ الوقور وركاب القطار؟!

إذاً فاقرءوها الآن فكم هي شيّقة!! وكم هي معبّرة!! وكم هي خاصة بكل واحدٍ منّا!! فأنا وأنت وهو وهي قد عايشناها لحظة بلحظة..!!

حصلت هذه القصة في أحد القطارات ففي ذات يوم أطلقت صافرة القطار مؤذنةً بموعد الرحيل.. صعد كل الركاب إلى القطار فيما عدا شيخ وقور وصل متأخراً.. لكن من حسن حظّهِ أن القطار لم يفته.. صعد ذلك الشيخ الوقور إلى القطار فوجد أن الركاب قد استحوذوا على كل مقصورات القطار..

توجّه إلى المقصورة الأولى... فوجد فيها أطفالاً صغاراً يلعبون ويعبثون مع بعضهم.. فأقرأهم السلام.. وتهللوا لرؤية ذلك الوجه الذي يشعّ نوراً! وذلك الشيب الذي أدخل إلى نفوسهم الهيبة والوقار له.. أهلاً أيها الشيخ الوقور سعدنا برؤيتك.. فسألهم إن كانوا يسمحون له بالجلوس؟؟.. فأجابوه: مثلك نحمله على رؤوسنا.. ولكن!!! ولكن نحن أطفال صغار في عمر الزهور نلعب ونمرح مع بعضنا لذا فإننا نخشى أن لا تجد راحتك معنا ونسبب لك إزعاجاً.. كما أن وجودك معنا قد يقيّد حريتنا.. ولكن اذهب إلى المقصورة التي بعدنا فالكل يودّ استقبالك...

توجه الشيخ الوقور إلى المقصورة الثانية.. فوجد فيها ثلاثة شباب يظهر أنهم في آخر المرحلة الثانوية.. معهم آلات حاسبة ومثلثات.. وهم في غاية الانشغال بحل المعادلات الحسابية والتناقش في النظريات الفيزيائية.. فأقرأهم السلام.... ليتكم رأيتم وجوههم المتهللة والفرحة برؤية ذلك الشيخ الوقور.. رحبوا به وأبدوا سعادتهم برؤيته.. أهلا بالشيخ الوقور.. هكذا قالوها.. فسألهم إن كانوا يسمحون له بالجلوس..!!! فأجابوه لنا كل الشرف بمشاركتك لنا في مقصورتنا ولكن!!! ولكن كما ترى نحن مشغولون بالجا والجتا والمثلثات الهندسية.. ويغلبنا الحماس أحيانا فترتفع أصواتنا.. ونخشى أن نزعجك أو أن لا ترتاح معنا.. ونخشى أن وجودك معنا جعلنا نشعر بعدم الراحة في هذه الفرصة التي نغتنمها استعدادا لامتحانات نهاية العام.. ولكن توجه إلى المقصورة التي تلينا.. فكل من يرى وجهك الوضاء يتوق لنيل شرف جلوسك معه...

أمري إلى الله.. توجه الشيخ الوقور إلى المقصورة التالية.. فوجد شاب وزوجته أقرأهما السلام.. فتهللوا لرؤيته.. أهلاً بالشيخ الوقور.. أهلاً بذي الجبين الوضاء.. فسألهما إن كانا يسمحان له بالجلوس معهما في المقصورة؟؟؟ فأجاباه مثلك نتوق لنيل شرف مجالسته.. ولكن!!!.. جونا شبابي.. نخشى أن لا تشعر بالراحة معنا.. أو أن نتحرج متابعة كلامنا أمامك.. كل من في القطار يتمنى أن تشاركهم مقصورتهم..

توجه الشيخ الوقور إلى المقصورة التي بعدها.. فوجد شخصان في أواخر الثلاثينيات من عمرهما.. معهما خرائط أراضي ومشاريع.. ويتبادلان وجهات النظر حول خططهم المستقبلية لتوسيع تجارتهما.. وأسعار البورصة والأسهم.. فأقرأهما السلام... فتهللا لرؤيته.. وعليك السلام ورحمة الله وبركاته أيها الشيخ الوقور.. أهلاً وسهلاً بك يا شيخنا الفاضل.. فسألهما إن كانا يسمحان له بالجلوس؟؟؟ فقالا له: لنا كل الشرف في مشاركتك لنا مقصورتنا... بل أننا محظوظين حقاً برؤية وجهك الوضّاء.. ولكن!!!! "يا لها من كلمة مدمرة تنسف كل ما قبلها".. كما ترى نحن في بداية تجارتنا وفكرنا مشغول بالتجارة والمال وسبل تحقيق ما نحلم به من مشاريع.. حديثنا كله عن التجارة والمال.. ونخشى أن نزعجك أو أن لا تشعر معنا بالراحة.. اذهب للمقصورة التي تلينا فكل ركاب القطار يتمنون مجالستك..

وهكذا حتى وصل الشيخ إلى آخر مقصورة.. وجد فيها عائلة مكونة من أب وأم وأبنائهم.. لم يكن في المقصورة أي مكان شاغر للجلوس.. قال لهم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. فردوا عليه السلام.. ورحبوا به... أهلا أيها الشيخ الوقور.. وقبل أن يسألهم السماح له بالجلوس.. طلبوا منه أن يتكرم عليهم ويشاركهم مقصورتهم.. محمد اجلس في حضن أخيك أحمد.. أزيحوا هذه الشنط عن الطريق.. تعال يا عبدالله اجلس في حضن والدتك.. حتى أفسحوا مكاناً له.. حمد الله ذلك الشيخ الوقور.. وجلس على الكرسي بعد ما عاناه من كثرة السير في القطار..

توقف القطار في إحدى المحطات... وصعد إليه بائع الأطعمة الجاهزة.. فناداه الشيخ وطلب منه أن يعطي كل أفراد العائلة التي سمحوا له بالجلوس معهم كل ما يشتهون من أكل.. وطلب لنفسه "سندوتش بالجينة"... أخذت العائلة كل ما تشتهي من الطعام.. وسط نظرات ركاب القطار الذين كانوا يحتسرون على عدم قبولهم جلوس ذلك الشيخ معهم.. كان يريد الجلوس معنا ولكن..

صعد بائع العصير إلى القطار.. فناداه الشيخ الوقور.. وطلب منه ان يعطي أفراد العائلة ما يريدون من العصائر على حسابه وطلب لنفسه عصير برتقال.. يا الله بدأت نظرات ركاب القطار تحيط بهم.. وبدءوا يتحسرون على تفريطهم.. آه كان يريد الجلوس معنا ولكن...

صعد بائع الصحف والمجلات إلى القطار.. فناداه الشيخ الوقور وطلب مجلة الزهرات أمل هذه الأمة.. للأم... ومجلّة كن داعية.. للأب.... ومجلة شبل العقيدة للأطفال.... وطلب لنفسه جريدة أمة الإسلام.. وكل ذلك على حسابه... ومازالت نظرات الحسرة بادية على وجوه كل الركاب... ولكن لم تكن هذه هي حسرتهم العظمى...

توقف القطار في المدينة المنشودة.. واندهش كل الركاب للحشود العسكرية والورود والاحتفالات التي زينت محطة الوصول.. ولم يلبثوا حتى صعد ضابط عسكري ذو رتبة عالية جداً.. وطلب من الجميع البقاء في أماكنهم حتى ينزل ضيف الملك من القطار.. لأن الملك بنفسه جاء لاستقباله.. ولم يكن ضيف الملك إلا ذلك الشيخ الوقور.. وعندما طلب منه النزول رفض أن ينزل إلا بصحبة العائلة التي استضافته وان يكرمها الملك.. فوافق الملك واستضافهم في الجناح الملكي لمدة ثلاثة أيام أغدق فيها عليهم من الهبات والعطايا.. وتمتعوا بمناظر القصر المنيف.. وحدائقه الفسيحة..هنا تحسر الركاب على أنفسهم أيما تحسّر.. هذه هي حسرتهم العظمى.. وقت لاتنفع حسرة..

والآن بعد أن استمتعنا سوياً بهذه القصة الجميلة بقي أن أسألكم سؤالاً ؟؟؟


من هو الشيخ الوقور؟
ولماذا قلت في بداية سرد القصة:
وكم هي خاصة بكل واحدٍ منّا!! فأنا وأنت وهو وهي قد عايشناها لحظة بلحظة!!

أعلم أنكم كلكم عرفتموه.. وعرفتم ما قصدت من وراء سرد هذه القصة..

لم يكن الشيخ الوقور إلا الدين...

إبليس عليه لعنة الله إلى يوم الدين توعد بإضلالنا..
إبليس أيقن انه لو حاول أن يوسوس لنا بأن الدين سيئ أو انه لا نفع منه فلن ينجح في إبعادنا عن الدين... وسيفشل حتماً.. ولكنّه أتانا من باب التسويف.. آه ما أجمل الالتزام بالدين.. ولكن مازالوا أطفالا يجب أن يأخذوا نصيبهم من اللعب واللهو.. حرام نقيدهم.. عندما يكبرون قليلاً سوف نعلمهم الدين ونلزمهم به..
ما أجمل الالتزام بالدين ولكن.. الآن هم طلبة مشغولون بالدراسة.. بالواجبات والامتحانات.. بعدما ينتهون من دراستهم سيلتزمون بالدين.. وسيتعلمونه..
اووووهـ مازلنا في شهر العسل.. الدين رائع ولكن سنلتزم به غداً..
مازلنا نكوّن أنفسنا بعد أن أقف على رجلي في ساحة التجارة سأهتم كثيراً بديني.. وسألتزم به..
ولا ندري هل يأتي غداً ونحن أحياء.. أم نكون وقتها تحت الثرى...!!!


التسويف هو داء نعاني منه في أمورنا كلها.. نؤمن بالمثل القائل: لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد ولكننا لا نطبق ما نؤمن به على أرض الواقع.. لذا نفشل في بناء مستقبلنا في الدنيا.. كما في الآخرة.. فالعمر يمضي ونحن نردد.. غداً سأفعل.. سأفعلها ولكن بعد أن أفرغ من هذه.. مازلت صغيراً إذا كبرت سأفعلها.. بعد أن أتزوج سألتزم بالدين.. بعد أن أتخرج.. بعد أن أحصل وظيفة.. بعد أن.. بعد أن....
منــــــــــقــول 
ملتقـى قطــرات العلــم 

Tuesday, 3 July 2012

أسباب الثبات على الدين

                  


أسباب الثبات على الدين


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله- صلى الله عليه وسلم -، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًاعبده ورسوله، وبعد:


فإن حاجة المسلم اليوم لأسباب الثبات على الدين والتمسك به عظيمة جدًا، لانتشار الفتن، وقلة الناصر، وغربة الدين، ومن تلك الأسباب:


أولًا: الإقبال على القرآن العظيم حفظًاوتلاوة وعملًا، فهو حبل الله المتين، وصراطه المستقيم، من تمسك به عصمه الله، ومن أعرضعنه ضل وغوى، أخبر تعالى أن الغاية التي من أجلها أنزل هذا القرآن مفرقًا هي التثبيت،قال تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا ﴾ [الفرقان:32].


ثانيًا: الإيمان بالله والعمل الصالح، قالتعالى: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِالدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَايَشَاءُ ﴾ [إبراهيم: 27].


قال قتادة: أما الحياة الدنيا فيثبتهم بالخيروالعمل الصالح، وفي الآخرة في القبر.


وقال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَاعَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُإِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًالَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ﴾ [النساء: 66].


وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يداومعلى الأعمال الصالحة،
وكان أحب العمل إليه أدومه وإن قل، وكان أصحابه إذا عملوا عملًاأثبتوه.


ثالثًا: تدبر قصص الأنبياء ودراستها للتأسيوالعمل، والدليل على ذلك قوله تعالى:
 ﴿ وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِمَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾
[هود: 120].


فالآيات تنزل لتثبت فؤاد النبي - صلى الله عليه وسلم -
وأفئدة المؤمنين معه مثل قصة إبراهيم، وموسى، ومؤمن آل فرعون وغيرها.


رابعًا: الدعاء، فإن من صفات عباد اللهالمؤمنين أنهم يتوجهون إلى الله بالدعاء أن يثبتهم كما علمنا سبحانه أن نقول: ﴿ رَبَّنَالَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ﴾ [آل عمران: 8]. "إن قلوب بنيآدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد يصرفه حيث يشاء"[1].


كما أخبر ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم- عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكثر أن يقول:"يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"[2].


خامسًا: ذكر الله، وهو من أعظم أسباب التثبيت،وتأمل في هذا الاقتران في قوله - عز وجل -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: 45]، فجعله من أعظم ما يعين على الثبات في الجهاد.


سادسًا: الدعوة إلى الله - عز وجل- وهيوظيفة الرسل وأتباعهم.


قال تعالى: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوإِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي
 وَسُبْحَانَ ال
لَّهِ وَمَاأَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [يوسف: 108].


والعبد إذا حرص على هداية الخلق، فإن اللهيجعل ثوابه من جنس عمله، فيزيده هدى وثباتًا على الحق،
 كما قال تعالى: ﴿ هَلْ جَزَاءُالْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾ [الرحمن: 60].


سابعًا: الرفقة الصالحة، فمصاحبة العلماءوالصالحين والدعاة والمؤمنين، والجلوس معهم، من أكبر العون على الثبات، قال تعالى:﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ
 وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
﴾[الكهف: 28].


وجاء في قصة الرجل الذ قتل تسعة وتسعينإنسانًا: أنه سأل عن رجل عالم فقال: "من يحول بينه
وبين التوبة، انطلق إلى أرضكذا وكذا، فإن بها إناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم،
 ولا ترجع أرضك فإنها أرض سوء"[3].


قال ابن القيم - رحمه الله - عن دور شيخالإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في التثبيت في محنة السجن: "وكنا إذا اشتد بناالخوف وساءت منا الظنون وضاقت بنا الأرض، أتيناه فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه؛ فيذهبذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوة ويقينًا وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه،وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فآتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبهاوالمسابقة إليها"[4]. اهـ.


ثامنًا: الثقة بنصر الله وأن المستقبل للإسلام،وهذه طريقة النبي - صلى الله عليه وسلم - في تثبيت أصحابه وهم يعذبون على الإسلام فيأول الدعوة، روى البخاري في صحيحه من حديث خباب بن الأرت: أنه شكا إلى النبي - صلىالله عليه وسلم - ما يجده من التعذيب وطلب منه الدعاء، فقال النبي - صلى الله عليهوسلم -: "والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخافإلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون"[5].


تاسعًا: الصبر، فإنه من أعظم أسباب الثباتعلى دين الله، قال تعالى:
 ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِوَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 153].


روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من يتصبريصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرًا ولا أوسع من الصبر"[6].


وروى الطبراني في المعجم الكبير من حديثعتبة بن غزوان أخي بني مازن بن صعصعة وكان من الصحابة: أن نبي الله - صلى الله عليهوسلم - قال: "إن من ورائكم أيام الصبر المتمسك فيهن يومئذ بمثل ما أنتم عليه له كأجر خمسين منكم" قالوا: يا نبي الله أو منهم؟ قال: "بل منكم"[7].


عاشرًا: التأمل في نعيم الجنة وعذاب النار،وتذكر الموت، فعندما يتأمل المؤمن قوله تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْرَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133].


وقوله تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ
فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّامَتَاعُ الْغُرُورِ
﴾ [آل عمران: 185].


تهون عليه الصعاب، ويزهد في الدنيا، وتشتاق نفسه إلى الدار الآخرة والدرجات العلى.


وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكر أصحابه بالجنة ليثبتهم على التمسكبالدين والصبر معه،
 فقد مر النبي - صلى الله عليه وسلم - على ياسر وعمار وأمه، وهميؤذون في سبيل الله،
فقال: "صبرًا يا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة"[8] [9].


والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

[1]صحيح مسلم برقم (2654)

[2] مسند الإمام أحمد (19/160) برقم (12107)،
وقال محققوه: إسناده قوي علىشرط مسلم وأصله في صحيح مسلم.
رواه الترمذي / حققه الألباني/ صحيح الترمذي / برقم 3522/صحيح

[3] صحيح البخاري برقم (3470)، وصحيح مسلم برقم (2766).

[4] الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص 82)

[5] صحيح البخاري برقم (6943).

[6] صحيح البخاري برقم (1469)، وصحيح مسلم برقم (1053)

[7] سبق تخريجه.

[8]مستدرك الحاكم (4/470) برقم (5696) وصححه الألباني في فقه السيرة (ص107)

[9] انظر رسالة الشيخ محمد المنجد "أسباب الثبات على الدين"

منـــقول
الألوكة
كتبه الدكتور / محمد أمين الشقاوي

Wednesday, 27 June 2012

بداية الثلث الأخير من الليل ونهايته

بداية الثلث الأخير من الليل ونهايته
للشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله
 
ورد في الحديث: ((ينزل الله سبحانه وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل)) الحديث، متى يبدأ الثلث الأخير ومتى ينتهي؟

قد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بإثبات النزول وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ((ينزل ربنا إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له . . )).
وقد أجمع أهل السنة والجماعة على إثبات صفة النزول على الوجه الذي يليق بالله سبحانه لا يشابه خلقه في شيء من صفاته كما قال سبحانه: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ
[1]، وقال عز وجل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ[2]، فالواجب عند أهل السنة والجماعة إمرار آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل مع الإيمان بها واعتقاد أن ما دلت عليه حق ليس في شيء منها تشبيه لله بخلقه ولا تكييف لصفته بل القول عندهم في الصفات كالقول في الذات، فيما يثبت أهل السنة والجماعة ذاته سبحانه بلا كيف ولا تمثيل فهكذا صفاته يجب إثباتها بلا كيف ولا تمثيل ، والنزول في كل بلاد بحسبها؛ لأن نزول الله سبحانه لا يشبه نزول خلقه وهو سبحانه يوصف بالنزول في الثلث الأخير من الليل في جميع أنحاء العالم على الوجه الذي يليق بجلاله سبحانه، ولا يعلم كيفية نزوله إلا هو، كما لا يعلم كيفية ذاته إلا هو عز وجل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ[3]، وقال عز وجل: فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ[4]، وأول الثلث وآخره يعرف في كل زمان بحسبه فإذا كان الليل تسع ساعات كان أول وقت النزول أول الساعة السابعة إلى طلوع الفجر، وإذا كان الليل اثنتي عشرة ساعة كان أول الثلث الأخير أول الساعة التاسعة إلى طلوع الفجر وهكذا بحسب طول الليل وقصره في كل مكان. والله ولي التوفيق.

[1] سورة الإخلاص كاملة.
[2] سورة الشورى الآية 11.
[3] سورة الشورى الآية 11.
[4]
سورة النور الآية 31.
مجلة الدعوة العدد 1138 في 2/9/1408هـ - مجموع فتاوى ومقالات متنوعة الجزء الرابع
 
 
 
منـــــــــــــــــــــــــــقول

Monday, 25 June 2012

ست نقاط مهمة في شهر شعبان .الشيخ محمد بن صالح العثيمين

بسم الله الرحمن الرحيم

ست نقاط مهمة في شهر شعبان - الشيخ محمد بن صالح العثيمين


أما بعدُ أيُّها المسلمون فإننا في شهر شعبان وسنتكلمُ حوله في نقاطٍ ست؛ لنُبيِّنَ فيها ما يجب علينا بيانه، ونسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم علمًا نافعًا وعملاً صالحًا.


الأول؛ بل النقطة الأولى:
صيام شعبان:

فهل يتميز شعبان بصيامٍ عن غيره من الشهور؟
الجواب: نعم؛ فلقد كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يُكثر من الصيام فيه حتى كان يصومه إلا قليلاً؛ وعلى هذا فمن السُنَّة أن يُكثر الإنسان الصيام في شهر شعبان إقتداءً برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.


النقطة الثانية:
صيام نصفه؛ أي: صيام يوم النصف بخصوصه؛ فهذا قد وردت فيه أحاديث ضعيفه لا تصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا يُعمل بها؛ لأن كل شيء لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنه لا يجوز للإنسان أن يتعبد به لله؛ وعلى هذا فلا يُصام يوم النصف من شعبان بخصوصه؛ لأن ذلك لم يرد عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ ومالم يرد فإنه بدعة.


النقطة الثالثة:
فضل ليلة النصف منه.
وهذا أيضًا فيه أحاديث ضعيفة لا تصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى هذا فليلة النصف من شعبان كليلة النصف من رجب أو من ربيع أو من جمادى أو من غيرهن من الشهور لا تمتاز هذه الليلة – أعني ليلة النصف من شعبان- بشيء؛ بل هي كغيرها من الليالي؛ لأن الأحاديث الواردة في هذا ضعيفة.


النقطة الرابعة:
تخصيصها بقيام؛ وهذا أيضًا بدعة؛ أنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان يخصص تلك الليلة بقيام؛ بل هي كغيرها من الليالي إن كان الإنسان قد اعتاد أن يقوم الليل؛ فليقم تلك الليلة أسوةً بغيرها من الليالي، وإن كان ليس من عادته أنه يقوم الليل؛ فإنه لا يخصص ليلة النصف من شعبان بقيام؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وأبعد من ذلك أن بعض الناس يخصصها بقيام ركعات معدودة لم ترد عن عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ إذًا لا نخصص ليليتها بقيام.


النقطة الخامسة:
هل يكون تقدير القضاء في هذه الليلة؛ بمعنى: هل يُقدّر في تلك الليلة بما يكون في تلك السنة؟
والجواب: لا؛ ليست ليلة القدر؛ ليلة القدر في رمضان؛ قال الله تعالى: [إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ]؛
أي: القرآن، [ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) ] القدر: [1- 3]
وقال الله تعالى: [شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ] [البقرة: 185]
وعلى هذا فتكون ليلة القدر في رمضان؛ لأنها الليلة التي أنزل الله فيها القرآن، والقرآن نزل في شهر رمضان؛ فيتيعين أن تكون ليلة القدر في رمضان لا في غيره من الشهور، ومن ذلك: ليلة النصف من شعبان؛ فإنها ليست ليلة القدر، ولا يقدر فيها شيءٌ مما يكون في تلك السنة؛ بل هي كغيرها من الليالي.


النقطة السادسة:
صنع الطعام يوم النصف؛ فإن بعض الناس يصنع طعامًا في يوم النصف من شعبان؛ ليوزعه على الفقراء ويقول: هذا عشا الأم، هذا عشا الأب، أو هذا عشا الوالدين؛ وهذا أيضًا بدعة؛ لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا عن الصحابة رضي الله عنهم.


فهذه ست نقاط أحصيتها؛ ولعل هناك أشياء أخرى لا أدري عنها، ووجب عليّ أن أُبيِّنَها لكم، وأسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن ينشرون السنة وينذرون عن البدعة، وأن يجعلنا وإياكم هداةً مهتدين، وأن يحعلنا وإياكم ممن يقتدون ويهتدون بهدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
** ** ** ** ** **

نقلا من موقع فتاوى العلماء

Friday, 15 June 2012

إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ


الســـلام علــيكم ورحمــة وبــركــاته
قـال تعالــى(إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)



19-رجب-1433هـ 8-يونيو-2012
كتبه فضيلة الشيخ الدكتور / ياسر برهامي*
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فتضطرب قلوب أكثر الخَلْق عند توقعهم وتفكيرهم في أمر معين يخافون ضرره، ويرجون خيره، وربما ظن البعض أن حصول ما يكرهون فيه نهاية العالم بالنسبة لهم أو فيه ضياع أملهم، ومشروع حياتهم!
ويبقى الصادقون في هذه الظروف في حالة مختلفة تمامًا عن هؤلاء، فحين أتى الأحزاب قال المنافقون: (مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا) (الأحزاب:12)، وقال المؤمنون: (هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) (الأحزاب:22).
ولما قال فرعون: (سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) (الأعراف:127)، قال موسى -عليه السلام- لقومه: (اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (الأعراف:128)، في حين كان قومه لا يفكرون إلا في أن مصيرهم في المستقبل ربما يكون كالماضي، فقالوا: (أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (الأعراف:129).
وعندما كان أبناء يعقوب -عليه السلام- ليس لهم فكر إلا في المصائب التي حلت بهم بعد أخذ أخيهم "بنيامين" أسيرًا -فيما يظنون- كان يعقوب -عليه السلام- مع حزنه وبثه وشكواه إلى الله يمتلأ قلبه بالرجاء، يعلم من الله ما لا يعلمون،
فقال لهم: (
يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ
إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ
) (يوسف:87).

وكل هذا السكون والطمأنينة والرجاء نابع من ذكر الله، ومعرفة أسمائه وصفاته: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد:28).
ولو تأملنا كل المواقف السابقة لوجدناها كانت في جو مِن الصراع السياسي أو الشخصي، فلا ينبغي لنا ونحن في خِضَمّ مشهد سياسي مضطرب يحار فيه الحليم ويضطرب فيه الساكن، وتختلف وجهات النظر حتى لربما تفرق المجتمِع، واجتمع المفترق في أيام، بل في لحظات - لا ينبغي لنا أن نهمل الفوائد العظيمة من هذه الآيات، بل نحتاج أن نأخذ منها منهجًا لعملنا، وقوة لقلوبنا وعزائمنا، وثقة بوعد الله لنا لنصرة دينه وليس نصرة أنفسنا، ونلتزم بما شرع الله لنا دون بغي أو ظلم، ودون اعتداء أو معصية؛ فهذه سبب الإخفاقات والفشل.
فعلينا إذن أن نوقن بأن المُلك لله وحده يؤتيه من يشاء، يقلِّب قلوب العباد كيف يشاء، وأنه الآخذ بنواصيهم، ونوقن بأن الأرض ملكًا له يورثها مَن يشاء مِن عباده، فعلينا أن نحقق العبودية له، ونسعى بنشرها في الأرض -كما أمرنا-، وأن ننطلق في عملنا بكل قوة متحسسين الخير راجين التوفيق، وألا نيأس من روح الله مهما وجدنا من عقبات أو حصل لنا مما نكره؛ فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا.
والطريق ما زال طويلاً، وتهيئة المجتمع للمشروع الإسلامي لا زالت تحتاج لجهد هائل وعمل صالح، ودعوة صادقة، وسلوك وخلق قويم في التعامل مع الناس؛ نكسب به ثقتهم ونستميل قلوبهم للحق -بإذن الله-... ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء.
فإن اختيارنا لترشيح د."محمد مرسي" ودعمه لهو نابع
من مبادئنا مِن نصرة للمشروع الإسلامي.

وأمر الرئاسة خطوة على الطريق... ليست نهايته قطعًا، والحق قادم، والدعوة على الحق مستمرة مهما كانت الظروف والنتائج.
فلنستعن بالله ولنحرص على ما ينفعنا ولا نعجز، والله حسبنا ونعم الوكيل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* نشرت بجريدة "الفتح" الجمعة 18 رجب 1433هـ - 8 يونيو 2012م.


منقــــــــــــول

شبــكة طــريق الســلف

Wednesday, 6 June 2012

حكم الإقامـة في بـلاد الكفـار .


حكم الإقامـة في بـلاد الكفـار



 
سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله - عن حكم الإقامة في بلاد الكفار

فأجاب بقوله : الإقامة في بلاد الكفار خطر عظيم على دين المسلم ، وأخلاقه ، وسلوكه ، وآدابه وقد شاهدنا وغيرنا انحراف كثير ممن أقاموا هناك فرجعوا بغير ما ذهبوا به ، رجعوا فُسّاقـًا ، وبعضهم رجع مرتدًا عن دينه وكافرًا به وبسائر الأديان ـ والعياذ بالله ـ حتى صاروا إلى الجحود المطلق والاستهزاء بالدين وأهله السابقين منهم واللاحقين ، ولهذا كان ينبغي بل يتعين التحفظ من ذلك ووضع الشروط التي تمنع من الهويّ في تلك المهالك .
فالإقامة في بلاد الكفر لابد فيها من شرطين أساسين :
الشرط الأول : أمن المقيم على دينه بحيث يكون عنده من العلم والإيمان ، وقوة العزيمة ما يطمئنه على الثبات على دينه والحذر من الانحراف والزيغ وأن يكون مضمرًالعداوة الكافرين وبغضهم مبتعدًا عن موالاتهم ومحبتهم ، فإن موالاتهم ومحبتهم مما ينافي الإيمان قال الله ـ تعالى ـ : ( لا تجد قومـًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يُوادّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم )(المجادلة/22) .
وقال ـ تعالى ـ : ( يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين * فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى ان تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمرٍ من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين )(المائدة/51 ـ 52 ) .
وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم : [ أن من أحب قومـًا فهومنهم ، وأن المرء مع من أحب ] .
ومحبة أعداء الله عن أعظم ما يكون خطرًا على المسلم لأن محبتهم تستلزم موافقتهم واتباعهم ، أو على الأقل عدم الإنكار عليهم ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : [ من أحب قومـًا فهو منهم ] .
الشرط الثاني : أن يتمكن من إظهار دينه بحيث يقوم بشعائر الإسلام بدون ممانع ، فلا يمنع من إقامة الصلاة والجمعة والجماعات إن كان معه من يصلي جماعة ومن يقيم الجمعة ، ولا يمنع من الزكاة والصيام والحج وغيرها من شعائر الدين ، فإن كان لا يتمكن من ذلك لم تجز الإقامة لوجوب الهجرة حينئذ ، قال في المغني صـ457 جـ8 في الكلام على أقسام الناس في الهجرة : أحدها من تجب عليه وهو من يقدر عليها ولا يمكنه إظهار دينه ، ولا تمكنه إقامة واجبات دينه مع المقام بين الكفار فهذا تجب عليه الهجرة لقوله تعالى : ( إن الذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا )(النساء/97) .
وهذا وعيد شديد يدل على الواجب ، ولأن القيام بواجب دينه واجب على من قدر عليه ، والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب . أ . هـ
وبعد تمام هذين الشرطين الأساسين تنقسم الإقامة في دار الكفر إلى أقسام :
القسم الأول : أن يقيم الدعوة إلى الإسلام والترغيب فيه فهذا نوع من الجهاد فهي فرض كفاية على من قدر عليها ، بشرط أن تتحقق الدعوة وأن لا يوجد من يمنع منها أو من الاستجابة إليها ، لأن الدعوة إلى الإسلام من واجبات الدين وهي طريقة المرسلين وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتبليغ عنه في كل زمان ومكان فقال صلى الله عليه وسلم : [ بغلوا عني ولو آية ] .
القسم الثاني : أن يقيم لدراسة أحوال الكافرين والتعرف على ما هم عليه من فساد العقيدة ، وبطلان التعبد ، وانحلال الأخلاق ، وفوضوية السلوك ؛ ليحذّر الناس من الاغترار بهم ، ويبيّن للمعجبين بهم حقيقة حالهم ، وهذه الإقامة نوع من الجهاد أيضًا لما يترتب عليها من التحذير من الكفر وأهله المتضمن للترغيب في الإسلام وهديه ،لأن فساد الكفر دليل على صلاح الإسلام ، كما قيل : وبضدها تتبين الأشياء ؛ لكن لابد من شرط أن يتحقق مراده بدون مفسدة أعظم منه ، فإن لم يتحقق مراده بأن منع من نشر ما هم عليه والتحذير منه فلا فائدة من إقامته ، وإن تحقق مراده مع مفسدة أعظم مثل أن يقابلوا فعله بسب الإسلام ورسوله الإسلام وأئمة الإسلام وجب الكف لقوله تعالى : ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم كذلك زينـا لكل أمةٍ عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون )(الأنعام/108) ، ويشبه هذا أن يقيم في بلاد الكفر ليكون عينا للمسلمين ؛ ليعرف ما يدبروه للمسلمين من المكايد فيحذرهم المسلمون ، كما أرسل النبي صلىالله عليه وسلم ، حذيفة بن اليمان إلى المشركين في غزوة الخندق ليعرف خبرهم .
القسم الثالث : أن يقيم لحاجة الدولة المسلمة وتنظيم علاقاتهم مع دولة الكفر كموظفي السفارات فحكمها حكم ما أقام من أجله ، فالملحق الثقافي مثلاً يقيم ليرعى شؤون الطلبة ويراقبهم ويحملهم على التزام دين الإسلام وأخلاقه وآدابه ، فيحصل بإقامته مصلحة كبيرة ويندريء به شر كبير .
القسم الرابع : أن يقيم لحاجة خاصة مباحة كالتجارة والعلاج فتباح الأقامة بقدر الحاجة ، وقد نص أهل العلم رحمهم الله على جواز دخول بلاد الكفار للتجارة وأثروا ذلك عن بعض الصحابة رضي الله عنهم .
القسم الخامس : أن يقيم للدارسة وهي من جنس ما قبلها إقامة لحاجة لكنها أخطر منها وأشد فتكـًا بدين المقيم وأخلاقه ، فإن الطالب يشعر بدنو مرتبته وعلو مرتبة معلميه ، فيحصل من ذلك تعظيمهم والاقتناع بآرائهم وأفكارهم وسلوكهم فيقلدهم إلا من شاء الله عصمته وهم قليل ، ثم إن الطالب يشعر بحاجته إلى معلمه فيؤدي ذلك إلى التودد إليه ومداهنته فيما هو عليه من الانحراف والضلال ، والطالب في مقر تعلمه له زملاء يتخذ منهم أصدقاء يحبهم ويتولاهم ويكتسب منهم ، ومن أجل خطر هذا القسم وجب التحفظ فيه أكثر مما قبله فيشترط فيه بالإضافة إلى الشرطين الأساسيين شروط :
الشرط الأول : أن يكون الطالب على مستوى كبير من النضوج العقلي الذي يميز به بين النافع والضار وينظر به إلى المستقبل البعيد ، فأما بعث الأحداث " صغار السن " وذوي العقول الصغيرة فهو خطر عظيم على دينهم ، وخلقهم ، وسلوكهم ، ثم هو خطر على أمتهم التي سيرجعون إليها وينفثون فيها من السموم التي نهلوها من أولئك الكفار كما شهد ويشهد به الواقع ، فإن كثيرًا من أولئك المبعوثين رجعوا بغير ما ذهبوا به ، رجعوا منحرفين في ديانتهم ، وأخلاقهم ، وسلوكهم ، وحصل عليهم وعلى مجتمعهم من الضرر في هذه الأمور ما هو معلوم مشاهد ، وما مثل بعث هؤلاء إلا كمثل تقديم النعاج للكلاب الضاربة .
الشرط الثاني : أن يكون عند الطالب من علم الشريعة ما يتمكن به من التمييز بين الحق والباطل ، ومقارعة الباطل بالحق لئلا ينخدع بما هم عليه من الباطل فيظنه حقـًا أو يلتبس عليه أو يعجز عن دفعه فيبقى حيران أو يتبع الباطل .
وفي الدعاء المأثور [ اللهم أرني الحق حقـًا وارزقني اتباعه ، وأرني الباطل باطلاً وارزقني اجتنابه ، ولا تجعله ملتبسـًا عليَّ فأضلّ ] .
الشرط الثالث : أن يكون عند الطالب دين يحميه ويتحصن به من الكفر والفسوق ، فضعيف الدين لا يسلم مع الإقامة هناك إلا أن يشاء الله وذلك لقوة المهاجم وضعف المقاوم ، فأسباب الكفر والفسوق هناك قوية وكثيرة متنوعة فإذا صادفت محلاً ضعيف المقاومة عملت عملها .
الشرط الرابع : أن تدعو الحاجة إلى العلم الذي أقام من أجله بأن يكون في تعلمه مصلحة للمسلمين ولا يوجد له نظير في المدارس في بلادهم ، فإن كان من فضول العلم الذي لا مصلحة فيه للمسلمين أو كان في البلاد الإسلامية من المدارس نظيره لم يجز أن يقيم في بلاد الكفر من أجله لما في الإقامة من الخطر على الدين والأخلاق ، وإيضاعة الأموال الكثيرة بدون فائدة .
القسم السادس : أن يقيم للسكن وهذا أخطر مما قبله وأعظم لما يترتب عليه من المفاسد بالاختلاط التام بأهل الكفر وشعوره بأنه مواطن ملتزم بما تقتضيه الوطنية من مودة ، وموالاة ، وتكثير لسواد الكفار ، ويتربى أهله بين أهل الكفر فيأخذون من أخلاقهم وعاداتهم ، وربما قلدوهم في العقيدة والتعبد ، ولذلك جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : [ من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله ] .
وهذا الحديث وإن كان ضعيف السند لكن له وجهة من النظر فإن المساكنة تدعو إلى المشاكلة ، وعن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين قالوا يا رسول الله ولم ؟ قال لا تراءى نارهما ] (رواه أبو داود والترمذي ) وأكثر الرواة رووه مرسلاً عن قيس بن أبي حازم عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال الترمذي سمعت محمدًا ـ يعني البخاري ـ يقول الصحيح حديث قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً . أ . هـ .
وكيف تطيب نفس مؤمن أن يسكن في بلاد كفار تعلن فيها شعائر الكفر ويكون الحكم فيها لغير الله ورسوله وهو يشاهد ذلك بعينه ويسمعه بأذنيه ويرضى به ، بل ينتسب إلى تلك البلاد ويسكن فيها بأهله وأولاده ويطمئن إليها كما يطمئن إلى بلاد المسلمين مع ما في ذلك من الخطر العظيم عليه وعلى أهله وأولاده في دينهم وأخلاقهم .
هذا ما توصلنا إليه في حكم الإقامة في بلاد الكفر نسأل الله أن يكون موافقـًا للحق والصواب .
مجموعة فتاوى ابن عثيمين  - فتوى رقم 388
نقله الدكتور أحمد نجيب
شبكة أنا المسلم
منـــــقول 
صـــيــد الفــوائد